روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
33
عرائس البيان في حقائق القرآن
الْكُفَّارَ : النفوس الأمّارة ، وجهادها إماتة شهواتها ، وَالْمُنْفِقِينَ : هم إبليس وجنوده ، وجهادهم [ مجاهدة ] طريق الوسواس بالجوع الدائم ، والحزن القائم ، والزجر الغليظ عليهم يكون من القلب الروحاني المملوء من النور الربّانيّ ، وفيه رخصة زجر المدّعين ، فيجوز الصادق أن يزجرهم ، ويعرض عنهم . قال محمد بن علي : جاهد الكفّار بالسيف ، والمنافقين باللسان . وقال سهل : النفس كافرة ، فجاهدها بسيف المخالفة ، وأحملها جولات الندم ، وسيّرها في مفاوز الخوف ، لعلّك تردّها إلى طريق التوبة والإنابة ، ولا تصح التوبة إلا لمتحيّر في أمره ، مبهوت في شأنه ، واله القلب مما جرى عليه . قال اللّه : حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ . [ تفسير الآية 74 ] ثمّ وصف اللّه أهل النفاق بنقض العهود ، وفسخ العقود ، وشحّ النفوس ، بقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ : هذا وصف المغرورين الذين ما ذاقوا لهم محبّة اللّه ، ولو وجدوا لذّة منها بقدر رأس إبرة ، ليدلوا وجودهم لشوق جماله . قال النصر آبادي : الفضل في رؤية الإحسان ، رأوا من أنفسهم إحسانا لم يعملوه بعد ، وصدقة لم يتصدّقوا بها ، وصحّحوا لأنفسهم أفعالا ، بقوله : لَنَصَّدَّقَنَّ ، فنقضوا العهد لمّا ظهر لهم ما سألوه ، فتولّد لهم من ذلك البخل الذي قال عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أي داء أدوى من البخل » « 1 » . [ تفسير الآية 76 ] والتولي عن سبيل الرشد ، والإعراض عن مناهج الحق ، وذلك أنهم أخلفوا وعدهم في السخاء ، فلزم عليهم الخيانة والبخل والكذب ، بقوله : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ . [ تفسير الآية 77 ] ثمّ إنّ اللّه سبحانه وصفهم بتمام الحرمان عن السعادة والسخاوة ، بقوله : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ ، زاد نفاقهم جزاء لبخلهم . قيل : هو ميراث البخل ، وهو الكذب والخلف والخيانة .
--> - الخوف ، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة ، ولا تصح التوبة إلا من متحير في أمره ، مبهوت في شأنه ، واله القلب مما جرى عليه . ( 1 ) رواه البخاري في الأدب المفرد ( ص 111 ) .